ابن الأثير

49

الكامل في التاريخ

وإنّما قصدنا البيت المقدّس ، وطلبوا منه أن يأذن لرعيّته في إخراج ما يحتاجون إليه من قوت وغيره ، فأذن في ذلك ، فأتاهم ما يريدون ، فشبعوا ، وتزوّدوا ، وساروا ، ثمّ طلبوا من قطب الدين أن يأمر رعيّته بالكفّ عنهم ، وأن يسلّم إليهم جماعة من أمرائه رهائن ، وكان يخافهم ، فسلّم إليهم نيّفا وعشرين أميرا كان يكرههم ، فساروا بهم معهم ولم يمتنع اللصوص وغيرهم من قصدهم والتعرّض إليهم ، فقبض ملك الألمان على من منعه من الأمراء وقيّدهم ، فمنهم من هلك في أسره ، ومنهم من فدى نفسه . وسار ملك الألمان حتّى أتى بلاد الأرمن وصاحبها لافون بن اصطفانة بن ليون « 1 » ، فأمدّهم بالأقوات والعلوفات ، وحكّمهم في بلاده ، وأظهر الطاعة لهم ، ثمّ ساروا نحو أنطاكية ، وكان في طريقهم نهر ، فنزلوا عنده ، ودخل ملكهم إليه ليغتسل ، فغرق في مكان منه لا يبلغ الماء وسط الرجل وكفى اللَّه شرّه . وكان معه ولد له ، فصار ملكا بعده ، وسار إلى أنطاكية ، فاختلف أصحابه عليه ، فأحبّ بعضهم العود إلى بلاده ، فتخلّف عنه ، وبعضهم مال إلى تمليك أخ له ، فعاد أيضا ، وسار فيمن صحّت نيّته له ، فعرضهم ، وكانوا [ 1 ] نيّفا وأربعين ألفا ، ووقع فيهم الوباء والموت ، فوصلوا إلى أنطاكية وكأنّهم قد نبشوا من القبور ، فتبرّم بهم صاحبها ، وحسّن لهم المسير إلى الفرنج الذين على عكّا ، فساروا على جبلة ولاذقيّة وغيرهما من البلاد التي ملكها المسلمون ، وخرج أهل حلب وغيرها إليهم ، وأخذوا منهم خلقا كثيرا ، ومات أكثر ممّن أخذ ، فبلغوا طرابلس ، وأقاموا بها أيّاما ، فكثر فيهم الموت ، فلم يبق منهم إلّا نحو ألف رجل ، فركبوا في البحر إلى الفرنج الذين على عكّا ،

--> [ 1 ] وكانت . ( 1 ) اسطفان ليون الأرمني . A